المقالات
أبحاث ودراسات مائية
الوضع المائي في منطقة الخليج ... أزمة لا يمكن تجاهلها
الوضع المائي في منطقة الخليج ... أزمة لا يمكن تجاهلها
04-21-2008 12:50 PM

القاهرة : مركز النخبة للدراسات
شهدت السنوات القليلة الماضية اهتمامًا ملحوظًا بقضايا المياه على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، في ضوء المؤشرات الخطيرة التي باتت تؤكدها التقارير والمؤتمرات الدولية بشأن حدوث أزمة مياه عالمية خلال السنوات المقبلة، وما يرتبط بها من أزمات أخرى تهدد مستقبل شعوب العالم، حيث باتت قضايا المياه إحدى أهم القضايا المرتبطة بالأمن القومي للدول، لما لها من انعكاسات على مختلف جوانب النمو الاقتصادي والاجتماعي

.
وكانت دول الخليج من الدول السباقة في الاهتمام بهذه القضية الحيوية حيث عقدت العديد من المؤتمرات والندوات للبحث عن حلول لأوضاع المياه في المنطقة والتي يراها العديدون أنها دخلت في طور الأزمة الأمر الذي يستدعي ضرورة العمل على تكثيف الجهود لإيجاد الحلول لها.
الوضع المائي في منطقة الخليج
حسب الإحصاءات الصادرة عن الأمم المتحدة، فإن هناك 20% من سكان العالم محرومون من المياه العذبة فيما يفتقر 50% إلى المرافق الصحية، ويتوقع صندوق الأمم المتحدة للسكان أن يعانى ثلاثة مليارات شخص في 48 بلداً من شح المياه في عام 2025، وسيرتفع هذا العدد عام 2050 ليصل إلى 4.2 مليار نسمة, إي ما يعادل نحو 45% من سكان العالم. وإذا كانت المنطقة العربية من المناطق الأفقر في العالم من حيث الموارد المائية المتاحة، فإن الوضع بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي يبدو أكثر تعقيدًا وخطورة, حيث تواجه دول المجلس مشكلة حقيقية في شح موارد المياه، وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة ومحددة عن واقع المياه في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن جميع التقديرات قد أجمعت على وجود أزمة شح حقيقية في مواردها المائية؛ حيث يتراوح إجمالي الموارد المائية المتجددة لدول المجلس بين 4 مليار م3 سنويًا وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة الصادرة في مايو 2002 ونحو 10 مليار م3 سنويًا حسب بعض التقديرات الرسمية، وهي موارد على هيئة أمطار وسيول ومياه جوفية ومياه مختزنة خلف السدود في المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية وبعض مناطق سلطنة عمان, إلا أنها في جميع الأحوال لا تمثل نسبة أكثر من 3% من مجموع الموارد المائية العربية المتجددة. وتعتمد دول المجلس بصورة شبه كاملة على المياه الجوفية في ظل امتلاكها لمخزون استراتيجي من الموارد المائية الجوفية قدر بنحو 361.5 مليار م3 سنويًا ـ حسب الإحصاءات الصادرة عن المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة ـ وتمثل هذه الكمية نحو 4.6% من إجمالي مخزون المياه الجوفية في البلدان العربية.
أسباب أزمة المياه في منطقة الخليج
وهناك عدة أسباب لأزمة المياه في دول مجلس التعاون الخليجي، أهمها: ندرة موارد المياه العذبة السطحية والجوفية، وذلك بسبب عوامل الموقع والتكوين الجغرافي حيث تقع دول شبه الجزيرة العربية في مناخ صحراوي شديد الجفاف والتصحر ومن ثم تعد نسبة المياه المتوفرة من سقوط الأمطار محدودة جدًا وغير منتظمة, ولذلك فالمياه السطحية في دول المجلس تكاد تكون معدومة، إذ لا يوجد في الجزيرة العربية أية أنهار، كما أن الكميات التي تمتلكها هذه الدول من مخزونات مائية جوفية، أصبحت في تناقص مستمر بسبب الاستنزاف الكبير لها خلال العقود الثلاثة الماضية.
كما أن ارتفاع الطلب على المياه يعد أحد أهم أسباب أزمة المياه في منطقة الخليج، حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع الطلب على المياه في جميع دول المجلس من 6 مليارات متر مكعب عام 1980 إلى أكثر من 23 مليار م3 في عام 2000، طبقًا لتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2003، مما أدى إلى وجود عجز مائي يصل إلى حوالي 15.7 مليار متر مكعب تتم تغطيته بواسطة سحب المياه الجوفية والتوسع في بناء محطات التحلية، إلا أن التحدي الأهم في ذلك هو خفض معدل استهلاك الفرد الخليجي للماء؛ حيث كشف تقرير لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية أن استهلاك مياه الشرب للأغراض المنزلية في دول الخليج قد زاد من مليار و169 مليون متر مكعب في عام 1985 إلى 3 مليارات و219 مليون متر مكعب في عام 1990. ويتوقع أن يبلغ 8 مليارات و855 مليون متر مكعب بحلول عام 2010. وبشكل عام فإن متوسط استهلاك الفرد في منطقة الخليج من المياه يبلغ حوالي 1035 مترًا مكعبًا سنويًا وإذ ما استمر هذا المعدل من الاستهلاك، فإن دول المجلس ستكون في حاجة إلى ما يقارب 49 مليار م3 من المياه سنويًا بحلول عام 2025. و الجدول التالي يوضح حجم الطلب ومتوسط نصيب الفرد من إجمالي الموارد المائية لدول مجلس التعاون:
فضلاً عن أن ارتفاع معدلات النمو السكاني بصورة متزايدة تقدر بحوالي 3% سنويًا، تعد أحد أهم أسباب أزمة المياه في منطقة الخليج، حيث يتوقع ارتفاع عدد سكان دول المجلس من 30.4 مليون نسمة عام 2001 إلى ما يزيد على 56 مليون نسمة عام 2025 وذلك مقارنة بـ 7.6 مليون فقط عام 1970؛ الأمر الذي يشكل عبئًا كبيرًا على شبكات المياه لما يستلزمه من ضرورة توفير الاحتياجات المتزايدة للمياه لجميع الاستخدامات المنزلية التي تستنزف نسبة كبيرة تتراوح بين 5% في عمان و39% في البحرين مقارنة بـ 9% في السعودية و23% في قطر و24% في الإمارات و37% في الكويت؛ وهي نسبة عالية جدًا تعبر عن الإسراف الشديد في استخدامات السكان للمياه خاصة مع زيادة نسبة السكان المقيمين في مناطق حضرية إلى أعلى المعدلات العالمية بما يتراوح بين 72% في عمان و100% في الكويت في مقابل 83% في السعودية و84% في الإمارات و88% في البحرين و91% في قطر؛ وهو ما يعني تصاعد الضغوط على شبكات الصرف الصحي فضلاً عن ارتفاع نسبة الفاقد بسبب ضعف كفاءة استخدام الموارد المائية, والإسراف الاستهلاكي للمياه في ظل تقديم المياه بأسعار رمزية للسكان.
جهود دول الخليج للتغلب على أزمة المياه
وتبذل دول المجلس جهوداً كثيرة للبحث عن حلول لأزمة المياه التي تواجهها، تتنوع ما بين الجماعية والفردية، فعلى الصعيد الخليجي المشترك، درجت على إقامة \"أسبوع المياه الخليجي\"الذي يبدأ يوم 22 مارس من كل عام بالتزامن مع الاحتفال بيوم المياه العالمي، والذي يهدف إلى تحسين كفاءة استخدام المياه وتوعية السكان بالمحافظة على هذه الثروة وعدم الإسراف في استخدامها، وذلك من خلال إقامة عدد من الفعاليات والأنشطة الإعلامية والثقافية، الداعية إلى استخدام المياه بالشكل السليم لاسيما في ضوء تصاعد نداءات التحذير من إقدام دول المنطقة على أزمة مائية خطيرة. كما خطت دول مجلس التعاون خطوات حثيثة في مجال التعاون المائي حيث أعلن في نوفمبر 2004 أن دول المجلس ستنفذ مشروع الربط المائي فيما بينها, ويعتبر المشروع من المشاريع الحيوية المهمة واحد الخيارات الاستراتيجية الجديدة لدول المنطقة, حيث سيساهم في تزويدها بالمياه أثناء فترة الطوارئ والكوارث التي قد تتعرض لها أي دولة من دول المنطقة، خاصة في حالات التلوث حيث ستتم الاستعانة بمياه البحر الأحمر وشط العرب، كما أن المشروع سيساهم في حل مشكلة المياه في المنطقة فضلاً عن رفع كمية الاحتياطي والمخزون الاستراتيجي, وتم اعتماد مركز الجبيل ليكون مركزاً إقليمياً لأبحاث المياه في المنطقة وتوطين صناعة التحلية في منطقة الخليج بالتعاون مع القطاع الخاص.
وتمثل تحلية مياه البحر أحد أبرز الخيارات المطروحة حالياً لحل أزمة المياه، حيث تحتل دول مجلس التعاون المركز الأول عالميًا في إنتاج مياه البحر المحلاة بإنتاج يصل إلى 11.99 مليون متر مكعب يوميًا، ويوجد بها نحو 60% من مشاريع التحلية في العالم. وتعد المملكة العربية السعودية أكبر منتج لها في العالم بنصيب يقارب ثلث إجمالي الإنتاج، ويقدر في الوقت الحاضر بحوالي 2.17 مليون م3 يوميًا ( 827 مليون م3 عام 2001) تغطي أكثر من 70% من احتياجات مياه الشرب وذلك من خلال 27 محطة لتحلية المياه المالحة بالمملكة، كما تخطيط الحكومة لإقامة 22 مشروعاً للتحلية، منها 16 مشروعاً على ساحل البحر الأحمر، و6 مشروعات على ساحل الخليج العربي، إلى جانب دراسة وتصميم 13 مشروعاً لنقل المياه المحلاة. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية من حيث تحلية المياه على مستوى العالم، حيث يصل إنتاجها السنوي إلى حوالي 446 مليون متر مكعب سنويًا تسهم بنسبة 80% من الاحتياجات المائية للبلاد، مقارنة بـ 110 ملايين متر مكعب في قطر ويتزايد اعتماد الدول الأخرى على هذه التقنية.
وبالإضافة إلى تحلية مياه البحر، تعتبر مياه الصرف الصحي المعالجة موردًا مهمًا للمياه في المناطق الجافة مثل دول مجلس التعاون، فباستخدام التقنيات الحديثة أصبح بالإمكان إنتاج مياه ذات مواصفات عالية نسبيًا كما هو الحال في محطة معالجة مياه الصرف الصحي الجديدة في الرياض، حيث توفر هذه المحطة مياهاً عالية الجودة مطابقة لمواصفات المياه الصالحة للري، مما يسهل إمكانية استخدامها في أغراض الزراعة والمجالات الأخرى .وتسهم مياه الصرف الصحي المعالجة بنسبة لا بأس بها من المياه في دول الخليج .
ووفقاً لدراسة أجرتها مدينة الملك عبد العزيز حول إعادة استعمال مياه الصرف الصحي في دول المجلس نشرت نتائجها في الربع الأول من العام 2003، فإن هذه الدول تعالج 35% من مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة والري والصناعة، وتعتبر دولة قطر من أوائل دول العالم التي مارست فكرة إعادة استعمال مياه الصرف الصحي لأغراض الري.
نحو استراتيجية موحدة للتعاطي مع أزمة المياه
في النهاية فإنه يمكننا القول أن تحقيق التوازن بين المتوفر والاحتياجات من المياه في دول مجلس التعاون يتطلب منها إعداد تقييم موضوعي لمصادر المياه في المنطقة التي يمكن استخدامها بشكل فعال ومتكامل, وتوحيد جهود الجهات العاملة في إدارة مصادر المياه نحو إيجاد نظام أفضل يتضمن أسلوبًا علميًا لحساب كميات المياه المتوفرة والمستهلكة والتي يتم تجددها من أجل تأمين مصدر مياه شرب آمن وخدمات صحية مناسبة مع ضرورة وضع استراتيجية للحد من تلوث المياه الذي يؤثر سلبًا عليها وعلى كافة مناحي الحياة، لاسيما في ضوء ما نتج عن التوسع الزراعي في دول المنطقة من استخدام الأسمدة والمبيدات الكيماوية بشكل مكثف مما أدى إلى تلوث بعض أحواض المياه الجوفية.
ورغم الجهود التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي الست للسيطرة علي هذه الأزمة, تبقى صياغة استراتيجية خليجية موحدة للتعامل مع الوضع المائي في المنطقة ومحاولة السيطرة على تداعياته الخطيرة, ضرورة ملحة. على أن تشتمل هذه الاستراتيجية على عدة عناصر متكاملة, أهمها:
أولا:ً مشاركة القطاع الخاص في دول مجلس التعاون في مشروعات المياه المستقبلية، بما يقتضيه ذلك من النظر إلى المياه كسلعة اقتصادية، الأمر الذي يحتاج إلى التدرج في التطبيق، وخطة للتوعية بأهمية الاقتصاد في استهلاك المياه من ناحية والتعامل معها كسلعة لها ثمن من ناحية أخرى. وتشمل هذه الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص مجال إدارة وتوزيع وإنتاج المياه، علمًا بأن تكلفة هذه المهمة في القطاع الخاص تقل عن نظيرتها في الحكومة بنحو 84% انطلاقًا من أن هذا القطاع يسعى إلى الربح والكفاءة والجودة، وعمومًا فقد بدأت بعض دول الخليج في اتباع هذا الأسلوب، ومنها السعودية والكويت والبحرين.
ثانياً: تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني في نشر الوعي المائي بين مستخدمي المياه بما يحقق الحفاظ على الثروة المائية عن طريق القضاء علي الممارسات الخاطئة مثل الإسراف وسوء الاستخدام، على أن تكون هناك تشريعات وتنظيمات رادعة للحد من هذه الممارسات.
ثالثاً: البحث في استخدام الأساليب الحديثة للطاقة البديلة في تنقية وتحلية المياه، والتي أوضحها مركز الأمير سلطان لأبحاث البيئة والمياه والصحراء في استخدام تقنيات الأغشية وتطبيقاتها في معالجة مياه الصرف الصحي، وإعادة استخدامها إلى جانب الطاقة الشمسية واستخداماتها في تحلية المياه ، فضلاً عن استخدام أحواض التبخر في التخلص من المياه الناتجة عن محطات التحلية في المناطق الداخلية.

مركز النخبة للدراسات
القاهرة
elite_center2000@hotmail.com
20-37768388 // 2-0102834977

تعليقات تعليقات : 0 | إهداء إهداء : 2 | زيارات زيارات : 4029 | أضيف في : 04-21-2008 12:50 PM | شارك :


خدمات المحتوى


تقييم
3.35/10 (39 صوت)

الاكثر مشاهدةً

الاكثر تفاعلاً

الاكثر ترشيحاً

الافضل تقييماً

الاكثر ترشيحاً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق